الذهب بين مطرقة الفائدة وسندان التضخم... المدور: التصحيح فرصة لا نهاية

يعيش الذهب عاماً استثنائياً بتقلباته. فبعد موجة صعود تاريخية في 2025، بلغ المعدن الأصفر أعلى مستوى قياسي له في 28 كانون الثاني 2026، قبل أن ينقلب المشهد سريعاً، إذ كان الربع الثاني من العام الأسوأ للذهب منذ 2013 مع تراجع بنحو 16%. إلا أن الأسعار عادت لتلتقط أنفاسها، حيث سجّلت الأونصة نحو 4,203 دولارات في 11 تشرين الأول، بعد تداولات ضمن نطاق ضيّق طوال الأسبوع الأول من الشهر.
الفيدرالي في قلب المعادلة
تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المقرر في 27 و28 تشرين الأول، وهو الحدث الأبرز الذي قد يحدد مسار الذهب حتى نهاية العام. فالمخاوف قائمة من أن تستمر زيادات الفائدة في الضغط على الأسعار، فضلاً عن أن قوة الدولار ترفع كلفة الذهب على المشترين من خارج الولايات المتحدة وتضغط على سعره. واللافت هذا العام أن التوترات الجيوسياسية، التي طالما دعمت الذهب كملاذ آمن، لم تؤدِّ هذا الدور بشكل موثوق في 2026.
المدور: معادلة معقّدة لا اتجاه واحد
وفي حديث خاص لموقعنا، قال المحلل الاقتصادي والمالي جايسن المدور إن “الذهب يقف اليوم أمام قوتين متعاكستين. الأولى هي الفائدة المرتفعة التي ترفع كلفة الفرصة البديلة لحيازته، لأن المستثمر يستطيع الحصول على عائد مضمون من السندات والودائع بالدولار، بينما الذهب لا يدرّ أي عائد. والثانية هي التضخم الذي لم يُهزم بعد، والذي يُبقي الطلب على الذهب كأداة تحوّط قائماً”.
وأضاف المدور: “ما شهدناه في الربع الثاني لم يكن انهياراً بل تصحيحاً صحياً بعد صعود عمودي. الأسواق لا تتحرك بخط مستقيم، والذهب كان بحاجة إلى تفريغ جزء من المضاربات. المهم أن البنوك المركزية، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة، ما زالت تشتري الذهب لتنويع احتياطاتها بعيداً عن الدولار، وهذا يشكّل أرضية دعم قوية للأسعار على المدى المتوسط”.
سيناريوهات ما بعد اجتماع الفيدرالي
ورسم المدور سيناريوهين رئيسيين: “إذا أبقى الفيدرالي على نبرة متشددة ولمّح إلى مزيد من الرفع، فقد نرى ضغطاً إضافياً على الذهب واختباراً لمستويات دعم أدنى. أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً في الاقتصاد الأميركي ودفعت الفيدرالي إلى التريّث، فسيكون الذهب من أول المستفيدين، وقد يعود لاختبار مستوياته القياسية”.
نصائح للمستثمرين في المنطقة
وعن المستثمر العربي، ولا سيما في لبنان حيث يُعدّ الذهب ملاذاً تقليدياً للادخار بعد أزمة المصارف، قال المدور: “لا أنصح بملاحقة الأسعار عند الارتفاع ولا بالبيع بدافع الذعر عند الهبوط. الاستراتيجية الأذكى هي الشراء التدريجي على فترات، بحيث يتوزّع سعر الكلفة. كما يجب ألا يتجاوز الذهب حصة متوازنة من المحفظة، لأنه أداة حماية وليس أداة لتحقيق الأرباح السريعة”.
وختم بالقول: “الذهب يبقى أصلاً استراتيجياً على المدى الطويل، لكن 2026 أثبت أنه قادر على التراجع بحدّة. الوعي بالمخاطر لا يقلّ أهمية عن البحث عن الأمان”.




